قراءة موازية للرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية والعربية

A parallel reading of the Moroccan novel written in French and Arabic

سالم العزوزي1

1 أستاذ اللغة الفرنسية وآدابها بجامعة عبد الملك السعدي-تطوان-المغرب

بريد الكتروني: sallemelazzouzi@hotmail.com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj64/14

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/64/14

المجلد (6) العدد (4). الصفحات: 266 - 279

تاريخ الاستقبال: 2025-03-07 | تاريخ القبول: 2025-03-15 | تاريخ النشر: 2025-04-01

Download PDF

المستخلص: لا يدعي هذا المقال تحليلا عميقا وإنما يحاول تقديم جرد بيبليوغرافي ﻠﻠﺭﻭﺍﻴﺔ المغربية المكتوبة ﺒﺎﻠﻔﺭﻨﺴﻴﺔ والعربية، مما قد يؤدي إلى ملاحظة افتقاره للمراجع المعتمدةـ ربما أتت الفكرة من منطلق أن القارئ المغربي لا يولي أهمية كبرى للسيروة التاريخية لما ينشرـ فغالبية البحوث تنصب على تحليل النص دون ربطه بالنصوص الأخرى ـ والحصيلة أن الأدب المقارن -إكسير الدراسات الأدبية العالمية- لا يحظى بالاهتمام المطلوب للبحث في باب الأدب ـ نشأة أي أدب مقرونة بظرفية تاريخية ما، هي التي تحكم شكله ومضمونه ـ وبالتالي يكون لزاما على الباحث تقريب هذا من القارئ الذي قد يجهله ـ لذا فإن هذا المقال يعنى بتأثير الاستعمار الفرنسي على الرواية المغربية المكتوبة باللغتين العربية والفرنسية، وبصفة عامة بتأثير الغرب فيها ـ

الكلمات المفتاحية: الرواية، الاستعمار، التيمات، التأثر، اللغةـ

Abstract: This article does not necessarily claim to be an in-depth analysis, but rather seeks to provide a bibliographic inventory of the Moroccan novels written in French and Arabic, which may lead to the observation of his lack of approved references. Building on the fact that idea that the Moroccan reader has not shown great importance to the historical biography of what has been published. Most literary studies have focused on analyzing the text without linking it to other texts. Consequently, the comparative literature - the elixir of global literary studies – has not received the required consideration for research in the field of literature. The emergence of any literature is linked to a certain historical circumstance, which governs its form and content – and, therefore, it is incumbent upon the researcher to bring this closer to the reader who may be ignorant of it. Therefore, this article is concerned with the influence of French colonialism on the Moroccan novels written in Arabic and French, and in general, with the influence of the West on it.

Keywords: The novel, colonialism, themes, influence, language.

مقدمة: إن أي استقراء لتاريخ الرواية المغربية يحيلنا على ملاحظة تكاد تكون راسخة دون تغيير: أغلب الروايات مكتوبة باللغتين العربية والفرنسية. فمنذ العقد الذي يسبق الاستقلال إلى الآن، تعددت الرواية المكتوبة باللغتين المذكورتين، تصاعديا. إذ ﺇن الرواية المكتوبة باللغات الأخرى وإن طبعت بعض الزمن بعد الاستقلال، تبقى نادرة دون تأثير.

إذن في بحثنا هذا يجب أن نركز التحليل على الرواية المغربية المكتوبة باللغتين العربية والفرنسية، وأن نطرح مجموعة من الأسئلة: كيف نشأت هذه الرواية؟ ولماذا؟ ما هي تيماتها؟ وما مدى تأثيرها في القارئ المغربي والأجنبي؟ وكيف يكتب الروائيون المغاربة؟ ما هي طريقتهم في إيصال ما يروون؟ ما هي نتائج المغامرة الروائية في المغرب؟ … 

كلها أسئلة سنحاول الإجابة عنها والوصول إلى ما يمكن أن يحل الإشكالات التي تفرضها الرواية المغربية بالعربية والفرنسية (المنشورة قبل (2010.

يجب القول في البدء إن الرواية المغربية ظلت منذ زمن بعيد (فترة بعد الاستعمار) رواية فردانية لروائيين لا يجمعهم شيء، حتى ظهرت بعض المجلات كمجلة آداب (مجلة لاتحاد كتاب المغرب آنذاك)، حيث بدأ رئيس تحريرها عبد الكريم غلاب، يؤرخ للرواية المغربية، ويبحث في الروايات التي كانت تظهر آنذاك. لم يكن الوحيد الذي حاول البدء في هذا المشروع، بل شاركه مجموعة من المثقفين المغاربة. دون أن ننسى مساهمة الملاحق الثقافية لبعض الجرائد كجريدة العلم (حزب الاستقلال) وجريدة المحرر (الاتحاد الاشتراكي). إضافة إلى البحوث الجامعية التي أنجزت، ثم القراءات النقدية الجديدة، التي تندرج ضمن مناهج جديدة، نذكر منها منهج محمد برادة والذي سنتحدث عنه لاحقا. كما يمكن أن نذكر منهج البنيوية التكوينية (La critique génétique) لحميد الحميداني.

كما يجب القول إن الرواية المغربية المكتوبة بالعربية كان من ورائها عاملان: الأول هو الجنوح إلى الرواية المشرقية. إذ تأثرت عميقا بما كتبه المشارقة، فانصهرت رؤية المغاربة للرواية في نظيرتها في الشرق. ومن الطبيعي أن تمتشق الرواية المغربية نشأتها الأولى من الرواية الفرنسية في القرن 19، لأن أصل الرواية الشرقية يهيمن عليه قراءة متأنية لروايات بالزاك (Balzac) مثلا. يمكن أن نمثل هنا بما كتبه نجيب محفوظ (الثلاثية…) والذي يظهر فيه تمثل كبير يميل إلى روايات بالزك (Le père Goriot…) وبالتالي تتأثر الرواية المغربية بالاتجاهين معا. والحقيقة أن رواية زينب لمحمد حسنين هيكل هي الأولى التي أسست للرواية في مصر قبل فترة نجيب محفوظ، لكن الإنتاج الأدبي لهذا الأخير يجعله الرائد في هذا المجال.

فإذا أخذنا على سبيل المثال رواية الريح الشتوية لمبارك ربيع، وقارناها برواية بداية ونهاية لنجيب محفوظ، ثم برواية زولا (Zola) جيرمينال (Germinal)، وجدنا أن الروايات الثلاث تتشابه مبنى ومعنى. فالأخير واضح، إذ يتفق الكتاب الثلاثة على وصف المعاناة في فترة محددة من التاريخ: زولا وصف معاناة عمال المناجم، ونجيب محفوظ وصف مسار أسرة آلت إلى السقوط بعد مشاكل ازدادت حدتها من جراء ﺇكراهات العمل، أما مبارك ربيع، فيمكن أن نعطي أمثلة محددة لفهم المعاناة: “…حمولة أجيال من الظلم تجمعت لتتركز في لحظة واحدة وتقع عليه”[1].

“بدأت مساحات الأراضي تنسحب من تحت أقدام أصحابها”[2] -يصور هنا مبارك ربيع الجور الذي تلقاه المواطن المغربي من طرف المستعمر-.

ثم تتحول الأرض الأم إلى ﺃرض غربة: “أرض الغربة ترد أقدامنا”[3].

أما من حيث المبنى فإن الرواية المغربية شبيهة بالرواية المشرقية والفرنسية إذ أنها إضافة إلى الوصف الذي تحدثنا عنه سابقا، تنحصر في رسم معالم الزمن والأمكنة ووصفها وصفا دقيقا، حتى يحس القارئ وكأنه حاضر على أرضية الرواية. ثم إن اهتمام الكاتب بشخصياته تجعل الرواية فضاءا مسرحيا يقدم كل شخصية على حدة، لكن تقديما مسهبا – مثال: “…وشقراء فارهة تحمل البقراج الذي به الماء وعلى كتفها فوط بيضاء، لم يكن ابن الحفيد ينتظر خادمته القراء، واسمها شامة في هذا المجلس، ولا يملك أن يردها وقد توسطت القبة واستقطبت في رمشة عين جل الأنظار، فهي ترعرعت في الخدمة في داره، ووالدها فقير أرمل وإن كان من كبار رعاة أبقاره بمراعي ضواحي سلا… أما في مهارة التدبير وتوقد الذكاء ورقة الحديث وخفة الروح مع إلمام بطرف علم الشراﺌﻊ والأدب، فشامة مدينة لكبرى زوجتي القاضي مولاتها الطاهرة…”[4].

من جهة أخرى تتفق الرواية المغربية المكتوبة بالعربية مع شبيهتها المشرقية والفرنسية في وحدة العقدة. فنجد هنا جميع الروايات تدور حول مشكل واحد يحاول الكاتب حله في آخر الكتاب. فالريح الشتوية تعالج معاناة المغاربة العمال تحت السلطة الفرنسية، وجارات أبي موسى تصف مسار شامة كبطلة للرواية، والخبز الحافي لمحمد شكري يصور قسطا من حياة الكاتب….

إضافة إلى التأثر بالشرق، نجد عاملا ثانيا لا يجب إغفاله هو تأثير الاستعمار. فقد أراد الكتاب المغاربة بالعربية إسماع صوتهم إلى المتغطرس الغاصب للأراضي. إذ انصب جل الروائيين حول هذا الطرح: مبارك ربيع، عبد الكريم غلاب… وفي الحقيقة يجب القول إن الرواية المغربية المكتوبة بالعربية بدأت متعثرة، حيث إن غالبية الشعب كانت تتحدث بالأمازيغية أو الدارجة، مما ترك المجال للرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية، والتي تتفق مع الأولى في المؤثر الثاني وهو الاستعمار. فقد كان من بين أولى الروايات التي تعالج مشكل الاستعمار: Le passé simple لإدريس الشرايبي التي ظهرت سنة 1954. ثم تعددت الروايات تصاعديا منشغلة بنفس المشكل.

ولتبرير اختيار اللغة الفرنسية لغة الكتابة يقول أحمد الصفريوي:

“لا تهم إذن اللغة التي سيستخدمها روائي الغد؟ يجب فقط أن يكون صادقا ويجد كيفيات لتحريكنا”

)تجدر الإشارة إلى أن جميع الاقتباسات المكتوبة باللغة العربية التي تليها الاقتباسات المكتوبة باللغة الفرنسية هي من ترجمتناـ)

“Qu’importe donc la langue dont se servira le romancier de demain! Qu’il soit sincère et qu’il trouve assez d’accents pour nous émouvoir »[5].

نلاحظ هنا تمردا سافرا على لغة البحتري وهروبا واضحا إلى لغة موليير. وفي كل الأحوال نعتقد أنه ضرب من ضروب المثاقفة (L’acculturation)، ساهم فيه الاستعمار بشكل كبير، هذه المثاقفة فسحت المجال لما يسمى بالأدب الإثنوغرافي الذي يهتم بالعرق أكثر من كل التيمات الأخرى، وهو ما سنعرض له في ما يلي.

التيمات:

تتعدد تيمات الرواية المغربية المكتوبة بالعربية والفرنسية، لكنها تكاد تنحصر في كل ما يتعلق بالجانب الاجتماعي والثقافي والسياسي. إذ يكون من السهل حصر هذه التيمات في ثلاثة جوانب: الهوية، الجنس والمرأة. جوانب كانت قواسم مشتركة بين الرواية المغربية المكتوبة بالعربية والفرنسية.

الهوية: أول ما يمكن الحديث عنه هو نبذ الاستعمار، فجل الروايات المغربية تقف ضد براثن الاحتلال الذي طمس هوية المغاربة، إذ تعين على الكتاب المغاربة البحث السيزيفي عن الهوية، والبحث عن إثبات الذات وتغيير الصورة المرسومة من طرف بعض الكتاب الفرنسيين (كان أغلبهم جنود):André Lichtenberger ; Albert Constant ; Jean d’Agraives ; Jean Viollis ; …

فيبدأ الروائيون المغاربة بإعطاء الصورة الحقيقية للاستعمار:

“لقد اشتركوا، بشكل نشط أو سلبي، علنا أو سريا، في استمرار الحقبة الاستعمارية، والحرب والذبح”

“Activement ou passivement, ouvertement ou en secret, ils souscrivaient à la poursuite de l’ère coloniale, à la guerre et au massacre”[6].

لقد وجدت أشخاصا […] قبلوا الزنجي بقوة، والصينيين بقوة، ولكن ليس العرب” »

“J’ai trouvé des gens […] qui acceptaient le nègre à la vigueur, le chinois à la vigueur, mais pas l’Arabe”[7].

ثم يتحولون إلى إبراز معاناة العمال وظلم “النصارى”. فرواية Les boucs لإدريس الشرايبي كلها مبنية من حيث المعنى حول ما يقاسيه المغاربة الذين يعملون تحت إمرة المستعمر.

أما مبارك ربيع، فيمكن أن نستقي بعض المقاطع من روايته الريح الشتوية كي نمثل لذلك. “كل منهم ضاعت أرضه”[8]–تصوير للذين يعملون تحت سلطة المستعمر الذي زاد من مأساتهم بمصادرة أرضهم-

-“الكلاب ناعسين”[9] -إهانة سافرة –

لم يقف مبارك ربيع عند جرد المعاناة فقط، بل حرص على تمرير الحس الوطني إلى القارئ ونشر الأفكار التحررية والنضالية، خاصة في صفوف الصبيان: ” “المغرب لا يكون حليفا لمن ينكر حقه في الحرية والاستقلال”[10]

-قالها عباس وهو يخاطب صبيا – (شخصيتان في الرواية).

لقد أراد الكتاب المغاربة القول للأوربيين إن للمغاربة نظرتهم الخاصة إﻠﻰ الحياة، فبالرغم من البيئة القاسية، وحالات الفقر المذقع، فإن الكرامة كانت شعارا لا ينثني للاستعمار.

لكن الكتاب المغاربة الذين كتبوا بالفرنسية أصيبوا بما يسمى “التهجين”. فتحول كل منهم إلى كاتب هجين ممزق بين هويته الأصلية وثقافة فرنسا. ويتركز الخطاب هنا على صناعة صورة الآخر، صورة المتخيل الغربي، فكانت الهوية الهجينة مسؤولة عن المثاقفة المشوهة للهوية الأصلية، مما يعطينا رفضا للذات وتمجيدا للآخر، وفي نفس الوقت نبذا للاستعمار. وخير مثال يقدم هنا هو رواية Un été à Stockholm لعبد الكبير الخطيبي.

من هذا المنطلق يجب أن نعالج ثنائية الهوية- الدين، باعتبار هذا الأخير منصهرا في الهوية. إذ لوحظ تردد واضح لدى الكتاب المغاربة الذين كتبوا بالفرنسية. هذا التردد يتحول إلى انفصام حاد، انفصام في الشخصية والهوية، فعند ما ينتهي الكاتب من جرد ما تتميز به الثقافة المغربية المعبرة عن الهوية، يعترف بأنه لم ينسلخ بعد من ثقافة الآخر:

“على الرغم من الإرث الهائل من الشك الذي تلقيته من الغرب”

” […] en dépit de l’immense héritage d’incrédulité que j’avais reçu de l’occident”[11].

هنا يعترف إ.الشرايبي في روايته Succession ouverte بعدم تصديق كل ما في الدين الإسلامي: “incrédulité” حتى أنه يصل إلى حد التأثر بالمسيحية:

دخلت الكاتدرائيات المعمارية […] لم يسمح لي شيء بالانصهار فيها، لكنني فعلت ذلك” “

“Je suis entré dans les cathédrales architecturales […] Rien ne n’autorisait à communier, mais j’ai communié”[12].

ثم يعالج خلطا بين العرق والدين، رغم أنهما مؤسسان للهوية:

“لكن لماذا تزوجت مسيحيا وأعطيت أطفالك أسماء مسيحية؟ هل الشمس أكثر إشراقا هناك وهل تم زرع مكة المكرمة في أوروبا؟ نحن عرب يا أخي ونقاوم ونقاتل من أجل استقلالنا وكرامتنا”

“Mais pourquoi avoir épousé une chrétienne et avoir donné à tes enfants des noms chrétiens ? Le soleil est-il plus lumineux là-bas et la Mecque avait-elle été transplantée en Europe ? Nous sommes des Arabes, mon frère, et nous luttons, nous menons notre combat pour notre indépendance et notre dignité »[13].

فالكاتب منشغل بعروبته ويدافع عنها:

“”كائن حر”. العودة إلى الجذور. العروبة”

« Un « être libre ». Le retour aux sources. L’arabitude »[14].

ويعتز بمواطنته:

بلدك بحاجة إليك، صدقني، لن تخدمه في الخارج ” »

« Ton pays a besoin de toi, crois-moi, ce n’est pas à l’étranger que tu le serviras »[15].

كل هذا يبرز أن الكاتب المغربي باللغة الفرنسية منقسم إلى متخيلين، أحدهما من صميمه وهو المغرب، والآخر منبثق من ثقافة تلقاها ولم يستطع نسيانها. مما أدى إلى ظهور الازدواجية التي يعبر عنها بالفرنسية “Mythe de l’androgyne”. هذه الازدواجية تظهر في أول رواية لعبد الكبير الخطيبي Le livre du sang ورواية La nuit sacrée لطاهر بنجلون. ثم تزداد الاﺯدواجية حدة ﺇﻠﻰ ﺃن تصل ﺇﻠﻰ عقدة رافقت الرواية المغربية طويلا: عقدة الجسد. إذ عمل الكتاب المغاربة على البحث عن هويتهم في الجسد، مما سيؤدي إلى كثرة الحديث عن الجنس كتيمة أساسية للرواية المغربية المكتوبة بالعربية والفرنسية.

الجنس: لعله من الضروري، حينما يذكر “الجنس” كتيمة في الرواية، أن يذكر اسم محمد شكري. روائي استطاع سنة 1986 بروايته الخبز الحافي، أن يخرق الصمت المشوب بجرأة حجولة والذي كان يحلق في سماء الرواية المغربية. صور لنا محمد شكري شعبا عاش تحت ظلام الاستعمار ورزح تحته بعد الاستقلال، شعبا همه الوحيد هو إشباع الرغبة: “”امرأة جميلة تمر وهو ينقب”[16].

“ضمتني إليها وأدخلت فخذيها بين فخذي وبدأت تحك فرجها مع ركبتي اليمنى المثنية”[17].

هنا تجب الإشارة إلى أن رواية الخبز الحافي منعت بادئ الأمر، حتى ترجمت إلى الفرنسية من طرف طاهر بنجلون، ثم أعاد شكري كتابتها، فنشرت بعد ذلك لتتضح عقدة المغاربة مع الجنس والتي سنتحدث عنها لاحقا.

ولم يكن م. شكري الوحيد الذي عالج الموضوع، بل سبقه إلى ذلك العديد من المؤلفين خاصة الكتاب بالفرنسية. غير أن درجة الجرأة كانت تميل حدتها إلى جانب شكري. فمثلا، حاول إ. الشرايبي في روايته Succession ouverte وصف جسد المرأة:

كان لديها يدان من شأنها أن تلهما رودان، صدر ممدود مثل حوض” »

“Elle avait des mains qui eussent inspiré un Rodin, une poitrine tendue comme une paire de léviers”[18].

غير أن نظرة هؤلاء الكتاب ﺇﻠﻰ الجنس كانت دائما مقرونة بالدين والمجتمع فالخوف من الجنس كان المسيطر آنذاك. الدين ثم المجتمع يرفضان فكرة الغريزة. إذ أن كل محب أو محبة يتعرض لأقسى التعذيب النفسي إن لم يكن الجسدي.

“وجه وثني جاهز لذبح قبيلة بأكملها من أجل حب امرأة”

“Un visage d’idolâtre prêt à massacrer toute une tribu pour l’amour d’une femme”[19].

“فوجئنا في مقهى في سبتة. ضربني والدي وعين أخي لمراقبتي. أحضر قابلة كي تفحص عذريتي”

“Nous fûmes surpris dans un café à Ceuta. Mon père me frappa et désigna mon frère pour surveiller mes sorties. Il fit venir une sage-femme qui vérifia ma virginité”[20].

كانت وما تزال البكارة أعز ما تملك الفتاة في مجتمعنا. فهي مقياس الآباء الراغبين في معرفة مدى حضور الرجل في ذوات بناتهم. وكأن الفتاة المغربية من حقها ممارسة الجنس لكن بشرط الحفاظ على البكارة. وهو ما حاولت نعمان جسوس معالجته في روايتها . Au-delà de toute pudeur والحقيقة أن مشكل المغاربة هو رفض التغيير كما عبر عن ذلك إ. الشرايبي في Succession ouverte (ص31-32)

الخوف من الجنس، الخوف من التغيير”

“La phobie du sexe tourné en dérision, la peur des changements”.

وكيف يكون التغيير والمجتمع المغربي يرفض الآخر، إذ ﺇن كتابنا بالفرنسية وصلوا إلى الأفكار التحررية في ما يتعلق بالجنس، بعد الاحتكاك بالغرب:

رموز هذا الغرب التي جعلتني بالغا”

“Symboles de cet occident qui m’avait rendu adulte”[21]

هنا يتحول الغرب إلى عامل أساسي في الحصول على الفحولة، فالمغرب يكبح الرغبة و يقتل الغريزة ثم تتفجر هذه الغريزة في الكتابة بعد التعايش مع تقاليد وثقافة الغرب:

“لم يكن لدي أي شك ، ولكن دون أن أدرك ذلك ، انزلقت يدي تحت البيجامة ، ولمست القضيب وداعبته”

“Je n’avais pas de doute, mais, sans m’en rendre compte, ma main se glissait sous le pyjama, tâtait le pénis et le caressait”[22].

من داخل مجتمع لا يؤمن بغريزة الجنس، وينبذ كل الجريئين، ﺃصبح الجنس الهم الوحيد – في الحلم والواقع-.

فتاة صغيرة تمتلكها عواطف الجسد”

“…d’une jeune fille possédée par les passions du corps”[23].

فجل فصول L’écrivain public مثلا تدور حول الحلم الذي ينتعش فيه الجنس، والجملة الآتية تلخص ذلك: النظر إلى البحر والحلم بأجساد الفتيات”.

“regarder la mer et rêver le corps des filles”.

أما الكتابة النسائية فهي أيضا تحدثت عن الجنس. من بداية الثمانينات إلى الآن كان مثلهم هو الأدبية الفرنسية Hélène Cixous التي اخترقت كل الطبوهات منذ سنة 1968، السنة التي معها يبدأ الجنس فترة ﺃخرى في الرواية. نذكر من الكاتبات المغربيات اللائي حذون حذو Hélène Cixous آنسة الشامي وثريا أولهري (La répudiée) حيث تظهر المرأة في علاقتها مع الجنس والمعاناة مظهرا يبعث على الرحمة.

المرأة: يبدو أن الروائيين المغاربة، سواء الذين يكتبون بالعربية أو بالفرنسية، يتفقون على أن المرأة المغربية عانت لمدة طويلة. عانت من القمع والاضطهاد. فالأم المظلومة من طرف الأب المتسلط، والأخت المكسورة الغريزة، جعلتا الكتاب المغاربة يخصصون فصولا كبيرة للدفاع عن حقوق المرأة المغربية. ففكرة قتل الأب عند شكري والشرايبي تلخص ذلك. بلغت الكراهية إلى حد الرغبة في التخلص من الأب. فبعد أن لوى الأب عنق ابنه (أخ م. شكري) –رواية الخبز الحافي- أسف شكري كثيرا وتمنى موت ﺃبيه: “تذكرت كيف لوى أبي عنق أخي، كدت أصرخ: أبي لم يكن يحبه، هو الذي قتله، نعم، قتله، قتله قتله، رأيته يقتله هو قتله.. أبي قتله قاتله الله”[24].

وفيما يلي بعض المقاطع المأخوذة من روايات المغاربة، والتي تبرز بوضوح وضعية المرأة المغربية:

“دخلوا الغرفة دون أن ينبسوا ببنت شفة. جلس الأب على حافة السرير، وبذراعيه القويتين، شل حركة ابنته. أخذت الأم إبرة حديدية طويلة، وبعد أن احمرت في النار، وضعتها بهدوء على مؤخرة اليد اليسرى للمرأة الممسوسة. نم عواء وركلة ورائحة اللحم المحترق الكريهة إلى أن الشيطان قد هزم واستسلم للمكان”

“Ils entrèrent sans mot dire dans la chambre. Le père s’assit sur le bord du lit et, de ses bras puissants, immobilisa sa fille. La mère prit une longue aiguille de fer et, après l’avoir rougie dans le feu, l’appliqua posément sur le dos de la main gauche de la possédée. Un hurlement, une ruade et l’odeur écoeurante de la chair brûlée indiquèrent que le démon était vaincu et qu’il livrait la place”[25].

هذا التعذيب جاء عقب رفض الفتاة الزواج برجل كان الأب قد وافق على طلبه. لا مكان لحرية الاختيار في مجتمع “رجالي” لا يؤمن برأي المرأة بل يتعدى هذا إلى المساهمة في القتل، فالمرأة المغربية كانت تموت كمدا تحت وطأة الاعتداء من طرف الرجل

“أين كنت عندما ماتت والدتي؟ لم أعد أعرف، لأنها ماتت من الحزن …”

“Où étais-je à la mort de ma mère ? Je ne sais plus, car elle est morte de tristesse…”[26]

كان التعذيب نفسيا بالسب والشتم، وجسديا بالضرب:

“سأهجرك يا ابنة القحبة”[27]

“… يضرب أمي بدون سبب ﺃعرﻔﻪ”[28].

“يسكت أمي باللكم والرفس”[29].

لم يقف هذا عند الحد الأدنى، بل تجاوزه لتصبح المرأة رهينة هي ومصيرها بالرجل:

“أما بالنسبة للنساء اللواتي بقين بدون زوج وبدون دعم معنوي أو مادي، فإن الحل الأكثر حكمة يتمثل في نوع من المساعدة المتبادلة التي كانت تعتمد علينا فقط حتى موتنا”

“Quant aux femmes qui restent sans époux et sans soutien moral ou matériel, la solution la plus judicieuse consistait en une sorte d’entraide qui, jusqu’à notre mort, ne dépendait que de nous.”[30].

وكأننا في رحاب حضارة هندية قديمة كانت المرأة فيها مجبرة على الموت بعد وفاة زوجها، حيث كانت تدفن بجانبه.

وضعية المرأة هذه كان مسكوتا عنها مدة طويلة. لم يكن يجرؤ أحد على خوض المعركة ضد مجتمع بأكمله. حتى في المدرسة لم يكن لهذه الجرأة مجال:

“في أحد الأيام قررت تلميذة تحدي المحرمات. وقدمت عرضا لعدة فصول في المدرسة الثانوية عن حالة الفتاة المغربية الشابة في بيئة تقليدية. فضيحة صغيرة. بعض الآباء رأوا في عنصرا تخريبيا يزرع الشك”

“Un jour une élève décida de braver les tabous ; elle fit un exposé devant plusieurs classes du lycée sur la condition de la jeune fille marocaine en milieu traditionnel. Un petit scandale. Certains parents voyaient en moi un élément subversif semant le doute…”[31].

المرأة التي كانت تبكي في الخفاء تفاديا لتفاقم غضب الزوج أو الأب أو الأخ أو أحد من الأقارب، لم يكن لها الحق في تقديم صورة عن هذه الحالة:

“بكت والدتي بصمت وبدون دموع، كما لا يمكن أن تفعل إلا النساء اللواتي بكين طوال حياتهن”

“Ma mère pleurait sans bruit et sans larmes, comme seules peuvent le faire des femmes qui ont pleuré toute leur vie.”[32].

ثم نجد قمة احتقار المرأة في جملة طاهر بنجلون، والتي تصور المرأة وكأنها “جرم” أو “ذنب”:

لم أكن أريد أن أعتبر كفتاة حتى لا أكون خطيئة”

“Je ne voulais pas être pris pour une fille pour ne pas être un péché.”[33].

يعود نفس الروائي إلى وصف تفادي الظهور “امرأة” في رواية La nuit sacrée فيذكرنا بالوأد الذي كان سائدا عند عرب الجاهلية، مما جعل جل الكتاب المغاربة يبحثون عن تقنيات سردية جديدة علهم يستطيعون الدخول إلى عوالم المرأة. إذ تغير شكل الرواية من زمن إلى آخر.

شكل الرواية المغربية المكتوبة بالعربية والفرنسية:

لم يكن لدى الكتاب المغاربة (بالعربية والفرنسية) في البدء سوى ترصيع شكل الرواية. ذلك لأنهم كانوا مجبرين على تفادي العفوي باعتبار أن الأدب المغربي كان مجهولا عند المغاربة وعند القارئ الأجنبي. إذ حاولوا استقطابه بالكتابة البليغة، لكن أول شيء نبحث فيه هو لماذا الكتابة بالفرنسية باعتبارها لغة أجنبية؟ تتعدد الأجوبة وتتضارب الآراء، وسنعرض لبعض منها.

فأما الصفريوي فيقول بعدم أهمية اللغة التي يكتب بها، المهم هو الصدق:

“لا تهم إذن اللغة التي سيستخدمها روائي الغد؟ يجب فقط أن يكون صادقا ويجد كيفيات لتحريكنا”

“Qu’importe donc la langue dont se servira le poète de demain ! Qu’il soit sincère e qu’il trouve assez d’accents pour nous émouvoir !”

إدريس الشرايبي له رأي آخر يشبه رأي عبد العزيز لحبابي، حيث يجمعان على أن اللغة العربية لم تتطور بفعل تقاعس المثقفين:

لقد تحجرت اللغة العربية لأننا لم نتطور مع التاريخ””

“La langue arabe a été sclérosée parce que nous n’avons pas évolué avec l’histoire” –Chraibi-

“إذا كانت لغتنا العربية تعاني من صعوبات، فذلك لأن غالبية الكتاب المعاصرين ليسوا مبدعين”

“Si notre langue arabe éprouve des difficultés c’est que la majorité des écrivains contemporains ne sont pas des créateurs” –Lahbabi-

لم تكن هذه الأسباب الكاملة للميول إلى الكتابة بالفرنسية، بل كان هناك عامل دور النشر، وعامل عالمية اللغة:

يحتاج الكاتب إلى عقد ودار نشر جيدة وقبل كل شيء إلى جمهور، كل هذا موجود فقط في فرنسا

“Un écrivain a besoin d’un contrat, d’une solide maison d’édition et surtout d’une audience toutes choses qui n’existent qu’en France” –chraibi–

هنا يظهر دور دور النشر الفرنسية ك

Sindbad ; Seuil

التي احتضنت الأدباء المغاربة الذين يكتبون بالفرنسية مدة طويلة.

تبني لغة ثقافة عالمية تسمح لك بالوصول إلى جمهور واسع”

“…adopter une langue de culture universelle qui permette d’atteindre un large public.” Sefrioui.

إذن يمكن أن نلخص ونقول إن الكتاب المغاربة حرصوا على إيصال ﺃفكارهم والوصول إلى العالمية.

أما اللغة العربية فبدأت تنتعش بعد الاستعمار، إذ بدأ مشروع التعريب، الذي فسح المجال للرواية بالعربية.

لهذا كله، سنحاول البحث في شكل الرواية المغربية المكتوبة بالعربية والفرنسية.

الوصف:

تتميز الرواية المغربية كما ﺃسلفنا بأنها تأخذ من الرواية الفرنسية خلال القرن التاسع عشر، وبالتالي فإن الوصف يأخذ ﺤﻴﺯﺍ هاما من الرواية. والوصف الذي يطيل فيه الكتاب هو وصف الأشخاص.

اعتقدت لفترة طويلة، أن لدي عمتين في آسفي كان لديهما نفس الاسم الأول، بلا شك مصادفة، ولكن من الغريب … الأولى كانت امرأة طويلة، شجاعة، مرحة، مغطاة بجواهر ذهبية، ترتدي جلابة من القماش الناعم”

“J’ai cru pendant longtemps que j’avais deux tantes à Safi.

Elles portaient le même prénom, sans doute une coïncidence, mais curieusement…. La première était une grande et grosse femme joviale, couverte de bijoux en or, vêtue d’une djellaba de fin tissu…”[34].

“كانت مثقلة في بذلة أﻠﺒﺴﺘﻫﺎ إياها مولاتها الطاهرة بعد أن عرست فيها بناتها من كرائم القاضي تكاد تنوء بثقلها الناجم عن طرزها بخيوط الذهب المعروفة بالصقلي وزادها ثقلا حمالات الحرير المتعاكسة على كثفيها بألوان حبرية وأرجوانية ووردية…”[35].

كما أن المكان حظي بقسط وافر من وصف الروائيين المغاربة:

“في القرية ظهر أحد أيام يوليو. بين المرتفعات وسفوح الأطلس، كانت السماء بيضاء، مشتعلة بمليارات الشموس”

“…au village par un midi de juillet. Entre les hauts plateaux et les contreforts de l’Atlas, le ciel était blanc, flambant de milliards de soleils”[36].

“بغض النظر عن مدى نظري في جميع الاتجاهات، لا أرى شيئا. اثنان أو ثلاثة منازل من الطين، ماكي وما فوق في جبل، أشجار الأركان، وأشجار العناب وعدد قليل من أشجار الأرز. لكن هذا كل شيء، يا رئيس، صدقني. تبدو القرية فارغة ومهجورة بالنسبة لي”

“J’ai beau regarder de tous les côtés, je ne vois rien. Deux ou trois maisons de terre, des maquis et là-haut dans le djebel, des arganiers, des jujubiers et quelques cèdres. Mais c’est bien tout, chef, crois-moi. Le village m’a l’air vide, abandonné”[37].

يصف هنا مبارك السجن كمكان مقيت لدى العمال المهضومي الحقوق “…لقد اعترتها رهبة شديدة وبوابة السجن الصغيرة الثقيلة، تفتح وتغلق دونها تجد نفسها في فسحة ﺼﻠﺩﺓ هامدة، تحدها على ﺒﻀﻋﺔ أمتار أمامها، قضبان حديدية سوداء…وسارت خلفه في ممر طويل رطب بين الجدران والقضبان الحديدية…”[38].

ثم إن وصف السجن جاء مفصلا في ما يسمى بأدب السجون الذي ظهر بقوة بعدما ولت “سنوات الرصاص”٬ نمثل برواية Cellule n°10 للمرزوقي وكان وأخواتها لعبد القادر الشاوي. يبدأ وصف السجن في الرواية الأولى بدءا بالعنوان: خلية=cellule.

لم يسلم وصف الكتاب المغاربة من الكلمات النابية، باعتبار أن الجنس عقدة المغاربة كما أسلفنا. يمكن أن نقوم بجرد لعدد كبير من اﻠﻤﻘﺎﻁﻊ، لكن سنقتصر على البعض فقط.

“…قبلات تصفق، لهاث يتلاحق، همسات حب، إنهما يحبان بعضهما… يصفعها، ماذا يفعلان؟ بنت الزنى.

-كلا، كلا، تؤلمني، آذان إينو (مصاريني)…

لابد أن يكونا مصابين بالحمى، لهاث قبلات، تأوهات لهاث قبلات… السائل الساخن يندفق بلذة بين فخذي”[39].

يصف شكري هنا كيف ﻴﻀﺎﺠﻊ أبوه أمه.

لم يقتصر شكري على الكلمات النابية في الوصف، بل ﺃصبحت هذه الكلمات مصاحبة للكتابة: “بالمال يستطيع الإنسان أن ينكح العالم”[40].

“أطلقيها من يدك يا هذه القحبة الخنزة”[41].

“ﻜﻥ ﺼﺩﻴﻘﺎ ﻠﺸﻴﺌﻫﺎ ﺃﻴﻫﺎ ﺍﻷﻋﻭﺭ”[42]

“لقد أفلت ولد القحبة”[43].

ثم نسوق أمثلة من كتابة طاهر بنجلون:

امرأة سمراء ذات ثدين ثقيلين تداعبهما أثناء حديثها عن لياليها التي لم ترض شبقها”

” […] La brune aux seins lourds qu’elle caressait en parlant de ses nuits insatisfaites.”[44].

لأدخل يدي في سروالها وأضعها على العانة”

” […] C’était d’introduire ma main dans son séroual et la poser sur son pubis”[45].

“لم تكن تخفي عريها في أي وقت من الأوقات، كانت عيناي مفتوحتين على مصراعيها … نفاد الصبر على لمس هذا الجسد وغسله واللجوء إليه… ذهبت يدي إلى خصريها وتجولت على طول ظهرها الذي كنت أمسحه … وهو ما فعلته، وتركت أصابعي تنزلق بين أردافها التي فركتها بدلا من المداعبة”

“Aucun moment elle ne cachait sa nudité, j’avais les yeux grands ouverts… L’impatience de toucher ce corps, de le laver et de m’y refugier… Ma main se porta sur ses hanches et se promena le long de son dos que j’essuyais… Ce que je fis, laissant mes doigts glisser entre ses fesses que je frottais au lieu de caresser”[46].

والحقيقة أن الكلمات بالأمازيغية والدارجة المغربية طبعت بشكل كبير روايات المغاربة (بالعربية والفرنسية) ويبدو أن عامل الهجانة هو المسؤول، فالمغرب تشبع بالثقافة العربية باعتبارها لغة القرآن، بالثقافة الأمازيغية باعتبارها الثقافة الأصلية ثم بالثقافة الفرنسية لأنها لغة الكتابة غالبا ولأنها جيء بها من قبل الاستعمار.

يلخص لنا عبد الله مماس كل هذا في ما يلي: “L’émergence du récit oral”[47])

إذن سيكون علينا إعطاء أمثلة لتأكيد ذلك.

“ﺨﻡ ﺃوماش، نتاويتروشا، إشك تتروذ”[48].

“أراحد”[49]

“مانا الدم ما”[50]

“الكلاب ناعسن”[51]

“قولي قولي، يا نجوم الليل قولييا البايتة سهرانة

مول البلاد رجع ذليل

وصبحت الدنيا فكهانة

أمي أنا،

كيتي أنا

أمي أنا على بلادي”[52]

“راس بن راس هذا عنيك”[53]

“Loubaba aji daba, loubaba hak hada, loubaba Khoud hada, loubaba hahouaja, lou-ba-ba…”[54]

“Demain, incha Allah”[55]

“Hajja…ahchoum…”[56]

كل هذا يندرج ضمن رغبة الكتاب المغاربة في إيصال ما يرمون إليه.

من جهة أخرى، يمكن القول إن الرواية المغربية، المكتوبة باللغة العربية والفرنسية، انتقلت من فترة المنهج القديم إلى فترة المنهج الجديد. حيث تأثر الشكل بشكل كبير، ضمن الرواية القديمة حيث يهيمن السارد الواحد ضمن رؤية واحدة فقط، مما يفسح المجال للمطلق (المعلم علي لعبد الكريم غلاب مثلا)، إلى الرواية الجديدة حيث تتعدد الرؤى، ويصبح “النسبي” هو الطاغي. وخير مثال على ذلك رواية لعبة النسيان لمحمد برادة التي تتداخل فيها رؤى الكاتب برؤى راوي الرواة، وسي إبراهيم…

خاتمة: هكذا نكون قد درسنا بعض الجوانب المتعلقة بالقراءة الموازية للرواية المغربية بالفرنسية والعربية، ﻋرضنا خلال الدراسة لأسباب النشأة، لبعض التيمات، ثم أخيرا للشكل أو البنية. لكن من الجدير بنا أن نتساءل عن إمكانية تغيير هذه التوجهات، خاصة وأننا نعيش فترة ما بعد الاستعمار في مغرب متحول على كل الأصعدةـ

المصادر والمراجع

مبارك ربيع، الريح الشتوية، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 1996

أحمد التوفيق، جارات أبي موسى، دار القبة الزرقاء، مراكش، 2004

محمد شكري، الخبز الحافي، الفنك، 2006

Chraibi Driss, Succession ouverte, Ed. Denoël, 1962

BENJELLOUN Tahar, L’écrivain public, Ed Denoël, 1984

LAROUI Fouad, Les dents du topographe, Edition EDDIF, 1996

MEMES Abdellah, Signifiance et interculturalité, Rabat, Ed. Okad, 1992

الهوامش:

  1. مبارك ربيع، الريح الشتوية، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 1996، ص13.

  2. نفس الكتاب، ص31.

  3. نفس الكتاب، ص49.

  4. أحمد التوفيق، جارات أبي موسى، دار القبة الزرقاء، مراكش، 2004، ص8-9.

  5. قيلت الجملة خلال عرض قدم بجامعة شيربروك (Sherbrooke) سنة 1970 حول الكتاب الذين يكتبون بالفرنسية (المغاربة خاصة).

  6. Chraibi Driss, Succession ouverte, Ed. Denoël, 1962, p.37.

  7. Ibid, p.38.

  8. مبارك ربيع، الريح الشتوية، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 1996، ص15.

  9. نفس الكتاب، ص33.

  10. نفس الكتاب، ص242.

  11. CHRAIBI Driss, Succession ouverte, Ed. Denoël, 1962, p.81.

  12. Ibid, p.40.

  13. Ibid, p.148.

  14. Ibid, p.183.

  15. Ibid, p.114.

  16. محمد شكري، الخبز الحافي، الفنك، 2006، ص111.

  17. نفس الكتاب، ص229.

  18. CHRAIBI Driss, Succession ouverte, Ed Denoël, 1962, p.32.

  19. Ibid., p.32.

  20. BENJELLOUN Tahar, L’écrivain public, Ed Denoël, 1984, p.77.

  21. CHRAIBI Driss, Succession ouverte, Ed Denoël, 1962, p.32.

  22. BENJELLOUN Tahar, L’écrivain public, Ed. Denoël, 1981, p.15.

  23. Ibid, p18.

  24. محمد شكري، الخبز الحافي، الفنك، 2006، ص10.

  25. LAROUI Fouad, Les dents du topographe, Edition EDDIF, 1996, p.144.

  26. BENJELLOUN Tahar, L’écrivain public, Ed. Denöel, 1984, p.165.

  27. محمد شكري، الخبز الحافي، الفنك،2006، ص8.

  28. نفس الكتاب، ص8.

  29. نفس الكتاب، ص9.

  30. CHRAIBI Driss, Succession ouverte, Ed. Denoël, 1962, p.128.

  31. BENJELLOUN Tahar, L’écrivain public, Ed. Denoël, 1984, p.116.

  32. CHRAIBI Driss, Succession ouverte, Ed. Denoël, 1962, p.125.

  33. BENJELLOUN Tahar, L’écrivain public, Ed. Denoël, 1984, p.15.

  34. LAROUI Fouad, Les dents du topographe, Editions EDDIF, 1996, p. 101.

  35. أحمد التوفيق، جارات أبي موسى، دار القبة الزرقاء، مراكش، 2004، ص14.

  36. CHRAIBI Driss, Une enquête au pays, Ed. Seuil, 1981, p.9.

  37. Ibid., p.22.

  38. مبارك ربيع، الريح الشتوية، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 1996، ص308.

  39. محمد شكري، الخبز الحافي، الفنك، 2006، ص23-24.

  40. نفس الكتاب، ص87.

  41. نفس الكتاب، ص313.

  42. نفس الكتاب، ﺹ٠138

  43. نفس الكتاب٬ ص182.

  44. BENJELLOUN Tahar, L’écrivain public, Ed Denoël, 1984, p17.

  45. Ibid., p20.

  46. Ibid., p. 24

  47. MEMES Abdellah, Signifiance et interculturalité, Rabat, Ed. Okad, 1992, p. 25

  48. محمد شكري، الخبز الحافي، الفنك، 2006، ص1

  49. نفس الكتاب، ص9.

  50. نفس الكتاب، ص10.

  51. مبارك ربيع، الريح الشتوية، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 1996، ص33

  52. نفس الكتاب، ص13.

  53. نفس الكتاب، ص13.

  54. BENJALOUN Tahar, L’Ecrivain public, Ed. Denoël, 1981, p.22.

  55. CHRAIBI Driss, Une enquête au pays, Ed. Seuil, 1981, p.117.

  56. Ibid., p.48.