إعادة تصور منهاج تعليم اللغة العربية لغة ثانية وفق مبادئ التصميم الشامل للتعلم (UDL)
Reimagining the Arabic Language Curriculum as a Second Language in Accordance with Universal Design for Learning (UDL) Principles
سهام الساخي1
1 طالبة باحثة في سلك الدكتوراه، جامعة محمد الخامس، كلية علوم التربية، المغرب.
بريد الكتروني: siham.sakhi89@gmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj64/7
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/64/7
المجلد (6) العدد (4). الصفحات: 106 - 119
تاريخ الاستقبال: 2025-03-07 | تاريخ القبول: 2025-03-15 | تاريخ النشر: 2025-04-01
المستخلص: يروم هذا البحث التعريف بإطار مرجعي علمي له دور كبير في تصميم المناهج التعليمية، وهو التصميم الشامل للتعلم Universal Design for Learning من خلال تحديد أهم مبادئه وأسسه العلمية وإبراز دوره في تصميم منهاج تعليم اللغة العربية لغة ثانية. ولكي يحقق البحث أهدافه، فقد قسمناه إلى ثلاثة محاور أساس؛ حددنا في المحور الأول تعريف التصميم الشامل للتعلم وأهم مبادئه، ثم انتقلنا في المحو الثاني إلى تحديد مكونات المنهاج التعليمي المبني في إطار التصميم الشامل للتعلم، أما في المحور الثالث حاولنا إبراز دور التصميم الشامل للتعلم في بناء منهاج تعليم اللغة العربية لغة ثانية، وانتهينا-أخيرا- إلى اقتراحات نتصور أنها ستكون كفيلة بتذليل جملة من الصعوبات التي يواجهها منهاج اللغة العربية لغة ثانية، سواء على مستوى التصميم أو على مستوى التنفيذ، وذلك لتوجيه العملية التعليمية نحو أهداف محددة، وتلبية الحاجات المتنوعة للمتعلمين وتشجعيهم على تعلم اللغة العربية والإقبال عليها.
الكلمات المفتاحية: التصميم الشامل للتعلم، المنهاج، اللغة الثانية.
Abstract: This research aims to introduce the universal design of learning as a scientific reference framework that has a major role at the language curriculum design, by identifying its principles and scientific foundations, and highlighting its role in designing the Arabic language curriculum as a second language. To achieve the research goals, we divided it into three axes: First, we defined the UDL and its principles. Second, we identified the components of the curriculum designed according to the UDL. Third, we highlighted the role of UDL in designing the Arabic language curriculum, as second language. Finally, we propose suggestions that can contribute to overcome difficulties faced by Arabic language curriculum whether at the design level or the implementation level, in order to direct the learning process towards specific goals, meet diverse students needs, and encourage them to learn Arabic language.
Keywords: universal design for learning, Curriculum, second Language.
مقدمة:
يستند التصميم الشامل للتعلم Universal Design for Learning في أساسه على علم الأعصاب وأداء الدماغ أثناء التعلم، من خلال توفير بيئة دراسية شاملة تلبي الحاجات المتنوعة للمتعلمين والمتعلمات، ولقد أكدت عدة دراسات وأبحاث أن كل فرد له طريقة مختلفة في فهم واستيعاب المحتوى الدراسي الذي يتعلمه، وطريقة التعبير عنه تختلف من متعلم إلى آخر، ومنه انبثقت فكرة التصميم الشامل للتعلم، بداية في مجال الهندسة المعمارية، من أجل خلق بيئة معمارية تسمح للأفراد باختلاف حاجاتهم وقدراتهم وإمكاناتهم، سواء كانوا من ذوي الاحتياجات الخاصة أو غيرهم، بالتنقل بسهولة وحرية في أرجاء المباني دون أي صعوبات أو عوائق.
لتنتقل بذلك الفكرة إلى المجال التعليمي، ويتم بفضل التصميم الشامل للتعلم (UDL) توفير بيئة دراسية شاملة، تمكن من تصميم مناهج وطرائق تدريس تراعي جميع الحاجات المتعددة والمختلفة للمتعلمين والمتعلمات في الفصول الدراسية لتعليم اللغات أو غيرها، من خلال توفير المرونة في المناهج وأساليب التدريس عبر وسائط متعددة، تتيح تكافؤ الفرص التعليمية بين المتعلمين والمتعلمات، بالإضافة إلى إلغاء العوائق والتحديات التي تعيق عملية التعليم والتعلم، وتوفير خيارات قابلة للتعديل تسمح لجميع المتعلمين بالارتقاء من مستواهم التعليمي الفعلي وليس المستوى الذي نتصوره عنهم، بهدف تقديم تعليم فعال وشامل لجميع المتعلمين والمتعلمات.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة لمواجهة تحديات تعليم اللغة العربية لغة ثانية، في سياق عولمة فرضت عليها تنافسا غير متكافئ، مقارنة مع لغات عديدة ترصد لها من الإمكانات والوسائل ما لا يتوفر للغة العربية؛ فإنها لاتزال تعاني من الإكراهات والعوائق خاصة على مستوى طرائق تعليمها ومناهج تدريسها، والتي تميل في الغالب الأعم نحو التقليد والارتجال حينا، أو نحو التعقيد حينا آخر، مما يؤدي إلى نتائج لا ترقى إلى المستوى المطلوب في تعليم اللغة العربية لغة ثانية.
لذلك بعد مراجعة وتحليل لبعض الأدبيات التربوية في مجال تعليم وتعلم اللغة العربية باعتبارها لغة ثانية، تبين مدى الحاجة لإعادة النظر في تصميم المنهاج الخاص بتعليم اللغة العربية، لأن التصاميم المعتمدة في مختلف الدول والمراكز يعتريها نقص وهفوات تحول دون تحقيقها الأهداف المرجوة.
وسنحاول في هذه الورقة البحثية التطرق إلى التصميم الشامل للتعلم Universal Design for Learning وإبراز دوره في تصميم وإعداد المناهج الدراسية والبرامج التعليمية، بحيث أنه يعتمد على مجموعة من الأساليب والتقنيات التعليمية المتنوعة، بما في ذلك التعلم التعاوني، والتعلم النشط، واستخدام التكنولوجيا في التعليم، وتضمين المحتوى ذو الصلة بالثقافة العربية. وبالتالي يمكن تحقيق تجربة تعلم شاملة ومثمرة لمتعلمي اللغة العربية لغة ثانية، وتمكينهم من اكتساب المهارات والمعارف اللازمة للنجاح في مختلف مجالات الحياة.
إذا؛ ما المقصود بالتصميم الشامل للتعلم؟ وماهي أسسه ومبادئه؟ وما هي أهم مكونات المنهاج التعليمي المبني في إطار التصميم الشامل للتعلم؟ وما دور هذا الإطار في بناء منهاج اللغة العربية لغة ثانية؟
للإجابة عن هذه الأسئلة اقتضت طبيعة البحث تقسيمه إلى ثلاثة محاور رئيسة وهي كالآتي:
- المحور الأول: أسس ومبادئ التصميم الشامل للتعلم
- المحور الثاني: مكونات منهاج تعليم اللغة العربية لغة ثانية
- المحور الثالث: دور التصميم الشامل في بناء منهاج تعليم اللغة العربية لغة الثانية
- مبادئ التصميم الشامل للتعلم
- تعريف التصميم الشامل
إن كلمة “تصميم” مشتقة من الفعل “صمم” أي عزم ومضى على أمره بعد تمحص دقيق للأمور من جميع جوانبها، وتوقع النتائج بأنواعها المختلفة وبدرجات متفاوتة من تحقيق الأهداف المنشودة، ورسم خريطة ذهنية متكاملة ترشد الفرد إلى كيفية التنفيذ والسير قدما، بخطوات ثابتة فيها مرونة نحو الهدف، وتشير إلى المسؤولية، وعواقب الأمور. أما مفهوم التصميم اصطلاحا فالمقصود به هندسة الشيء بطريقة ما وفق محكات معينة، أو عملية هندسية لموقف معين. (الحيلة، 2003، ص 25).
والتصميم الشامل للتعلم (UDL): حسب تعريف المركز الوطني للتصميم الشامل للتعلم (NCUDL) National Center on Universal Design for Learning(2013): مخطط إبداعي للأهداف التعليمية والأساليب والمواد والتقييمات التي تناسب الجميع ولا تنفرد بحل واحد يناسب الجميع، ولكن إلى حد ما تتضمن حلولا مرنة يمكن تخصيصها وتعديلها لتناسب الحاجات الفردية لكل متعلم أو متعلمة[1].
والتصميم الشامل للتعلم إطار تعليمي يستند بالأساس على علم الأعصاب ودراسة عمل وأداء الدماغ أثناء التعلم، من خلال توفير بيئة دراسية شاملة تناسب مختلف المتعلمين وتلبي حاجاتهم المتنوعة، حيث أكدت الأبحاث أن لكل فرد طريقة خاصة ومختلفة في فهم المادة الدراسية وطريقة التعبير عنها.
ومنه نستنتج أن التصميم الشامل للتعلم يوفر ما يلي:
- المرونة Flexibilityفي طرائق تقديم المعلومات، والطرائق التي يستجيب بها المتعلمون والمتعلمات لاكتساب المعارف والمهارات وكذلك طرائق الانخراط في عملية التعليم والتعلم.
- تذليل الصعوبات Reduce Barries في طرائق التدريس، وتوفير المرونة والتكيف والدعم المناسب، ويحافظ على توقعات الأداء الأقصى للمتعلمين والمتعلمات رغم اختلافهم وتنوعهم، بما فيهم ذوي الكفاءة اللغوية المحدودة.
- المواد التعليمية (Learning Material): هي وسائل لتنفيذ خطة الدرس، ويحتاجها المدرس لدعم عملية التعليم والتعلم، ولتحقيق الأهداف التعليمية بفاعلية، كما تعتبر مساعدا لأنشطة التعلم واستراتيجيات التعليم، وبالتالي فهي جزء أساس في خطة وإعداد المنهاج التعليمي.
إذا؛ فالمنهاج أو الطرائق المستخدمة في التدريس يجب أن تتسم بالشمولية، بحيث تكون قابلة للفهم والاستيعاب من قبل الجميع رغم الفروقات الفردية، ورغم اختلاف قدراتهم التعليمية، خاصة متعلمي اللغة العربية لغة ثانية، فالتنوع والاختلاف بين أفراد الفصل الدراسي يختلف بينهم كاختلاف بصمة الأصابع، لأن لكل متعلم اهتماماته الخاصة وخبراته من نقاط قوة أو حاجات، وبالتالي فالمنهاج في إطار التصميم الشامل يحاول تقليص الحواجز والفوارق الفردية وتوفير فرص تعليمية مناسبة لكل متعلم أو متعلمة على حد سواء.
وأفضل طريقة للتكيف مع مهام التعلم هي استيعاب الحاجات الفردية لكل متعلم؛ بحيث أن كل مدرس يدرك أن المتعلمين لا يتعلمون بنفس الطريقة ولا بنفس المستوى، ودراسات “هوارد جاردنر” في مجال الذكاءات المتعددة دليل على أنه بالرغم من أن بعض مواطن القوة لدى المتعلم في معالجة المعلومات في صالح الأنماط التقليدية للتعلم مثل: اللغوي/اللفظي، أو المنطقي/ الرياضي، فإن البعض الآخر يميل نحو أنواع وأنماط تعلمية مختلفة؛ مثل: البصري/ المكاني أو الطبيعي، الجسدي/ الحركي. وبعض المتعلمين يعملون بشكل أفضل في إطار مجموعات التعلم الاجتماعي/ البين شخصي (interpersonal/social)، في المقابل نجد متعلمين يستفيدون من الأنواع الذاتية/ الضمن شخصية (interpersonal/introspective) من أنشطة التعليم والتعلم (هارديمن، 2013، ص106-107).
والهدف من التعليم في إطار التصميم الشامل للتعلم (UDL) هو تنمية المتعلمين الخبراء، وهو الهدف الذي يستطيع أن يحققه جميع المتعلمين والمتعلمات. ومن منظور التصميم الشامل للتعلم، فإن المتعلمين الخبراء هم:
- المتعلمون العمليون أصحاب المعرفة، حيث يسترجعون المعرفة السابقة أثناء تعلم أشياء جديدة، ويقوموا بتنشيط المعرفة السابقة لتعريف وتنظيم وترتيب الأولويات ودمجها في المعلومات الجديدة، كما أنهم يتعرفون على الأدوات والمصادر التي تساعدهم في إيجاد وبناء وتذكر المعلومات الجديدة، كما أنهم يعرفون كيفية تحويل المعلومات الجديدة إلى معرفة ذات قيمة قابلة للتعلم والتوظيف.
- المتعلمون الاستراتيجيون الذي يركزون على أهداف التعلم، ويعدون خططا للتعلم، ويبتكرون استراتيجيات وخطط فعالة للاستفادة القصوى من عملية التعلم، كما أنهم يقوموا بتنظيم أدوات ومصادر التعلم لتسهيل عملية التعلم، ويراقبون تقدمهم، ويتعرفون على نقط القوة والضعف لديهم، وكذلك يتخلون عن الخطط والاستراتيجيات الغير فعالة.
- المتعلمون ذوي الدافعية والتصميم، التواقون لتعلم الأشياء الجديدة، والمندفعون نحو التمكن من عملية التعلم، ودائما ما يتوجهون نحو الأهداف المتعلقة بتعلمهم، كما يضعون لأنفسهم أهداف وتحديات في عملية التعلم، ويعرفون كيفية الحفاظ على الجهد والمثابرة للوصول إلى تلك الأهداف، وكذلك يمكنهم مراقبة وتنظيم انفعالاتهم التي تعيق أو تشتت تعلمهم الناجح. (الدليل الإرشادي، 2011)
- مبادئ التصميم الشامل للتعلم
يحتاج المتعلمون لتعلم لغة أجنبية ثانية إلى المهارات والدافعية للتعلم، وعلى المنهاج مراعاة ومساعدة المتعلمين والمتعلمات على الوصول إلى تلك الدافعية، خاصة أن كل متعلم فريد من نوعه، فطريقة أو أسلوب واحد في التدريس لا يمكن أن يناسب الجميع، لأن التعلم ليس شيئا واحدا، وعلم الأعصاب يؤكد أن الدماغ لديه ثلاث شبكات رئيسة تعمل بشكل متكامل أثناء عملية التعلم، من خلال البحوث الضخمة التي ظهرت منذ عام 1990، والتي سميت من قبل الوسط العلمي باسم “عقد الدماغ”، وربما ينبغي أن نطلق على هذا العقد الجديد اسم “عقد التدريس من أجل الدماغ”؛ للاعتراف بالحاجة إلى تصميم التطبيقات العملية لعلم الأعصاب في عملية التعليم والتعلم. (هارديمن، 2013، ص:17)
وبناء على أبحاث (CAST)[2] ودراسات علمية أكدت أن هناك ثلاث شبكات في الدماغ تعمل أثناء العملية التعليمية التعلمية، وهي:
- شبكة الإدراك: Recognition Network / Representation وهي شبكة توجد أسفل الدماغ، تعنى بكيفية انخراط المتعلمين في العملية التعليمية التعلمية، والأساليب التي تثير دافعيتهم للتعلم، ويتم ذلك من خلال توفير وسائل وأساليب متعددة لإثارة دافعية المتعلمين والمتعلمات للتعلم.
- شبكة الاستراتيجيات: Strategic Network / Action and Expression وهي شبكة تقع في مقدمة الدماغ وظيفتها جمع المعلومات من خلال ما نراه ونسمعه، ومن خلال القراءة؛ وذلك عبر توفير وسائل متعددة لتقديم وعرض المعلومات والأفكار التي تم تعلمها، كما توفر فرصا متعددة للتعلم والتعبير عن الفهم من قبل المتعلمين والمتعلمات.
- شبكة الوجدان: Affective Network / Engagement وهي شبكة متخصصة في إظهار وتقييم العواطف، تمكن من التعامل والاشتراك مع المهام التعليمية ومع العالم الخارجي، لأن شبكات العاطفة تعمل بطريقة متشابهة –تقريبا-عبر العديد من الأفراد.
ويعرض إطار التصميم الشامل للتعلم UDL مجموعة من المبادئ التوجيهية لدمج الخيارات المرنة، في المناهج وطرائق التدريس في إطار مجالات العرض الثلاثة؛ المتمثلة في العمل والتعبير والمشاركة، وتعد هذه المبادئ إطار عمل ملزم للمدرسين الذين يرغبون في تطبيق التصميم الشامل للتعلم سواء في مجال التعليم والتعلم أو مجال تصميم المناهج الدراسية.
وتشير (McKenzie and Dalton, 2020) إلى أن مبادئ التصميم الشامل للتعلم مبنية على تأثير التكرار الذي يسمح بالوضوح والفهم الأسهل للتعليميات، وهذه المبادئ المنصوص عليها على وجه التحديد هي ثلاثة مبادئ رئيسة قائمة على الأبحاث الحديثة لعلوم الأعصاب والتي توجه التصميم الشامل للتعلم؛ وهي:
- المبدأ الأول: توفير وسائل متعددة لتقديم وعرض المعلومات Multiple Means of Representation (ماهية، “ماذا” نتعلم؟)
ويهدف هذا المبدأ إلى توفير طرائق متعددة ومرنة لتقديم المحتوى والمعلومات بطرائق مختلفة، ويرتبط بشبكة “الإدراك” للدماغ، حيث يختلف المتعلمون والمتعلمات في طرائق استيعابهم وفهمهم للمعلومات التي تقدم لهم، على سبيل المثال يحتاج الأشخاص ذوي صعوبات التعلم (عسر القراءة)، ذوي الاختلافات اللغوية أو الثقافية، أو غيرهما، إلى طرائق مختلفة أثناء تقديم المحتوى التعليمي، وقد يستوعب الآخرون المعلومات بسرعة أكثر وكفاءة عالية من خلال الوسائل السمعية والمرئية بدلا من النص المطبوع، وكذلك عملية التعلم ونقل المعلومات تحدث عند استخدام طرائق متنوعة وعديدة لتقديم المحتوى التعليمي، لأن ذلك يسمح للطلاب بالربط بين المفاهيم، -باختصار-لا توجد وسيلة وحيدة لتقديم وعرض المعلومات يمكن اعتبارها الوسيلة الأفضل لجميع المتعلمين والمتعلمات، لذلك من الضروري توفير عدة خيارات لتقديم وعرض المحتوى التعليمي.(اسماعيلي علوي، 2013، ص178)
- المبدأ الثاني: توفير وسائل متعددة للأداء والتعبير: Action and Expretion Multiple Means(كيفية التعلم-كيف نتعلم)
ويسعى هذا المبدأ إلى إتاحة طرائق مختلفة لتعبير المتعلمين والمتعلمات، من خلال توفير وسائل متعددة ومرنة للتعبير وتزويدهم ببدائل لإظهار ما تعلموه، ويرتبط بالشبكة الاستراتيجية، حيث أنه يختلف المتعلمون في الطرائق التي يمكنهم من خلالها الإبحار في بيئة التعلم والتعبير عما يعرفون، على سبيل المثال يختلف الأشخاص الذين لديهم حواجز لغوية في طريقة التعامل مع مهام التعلم، فقد يستطيع البعض التعبير عن نفسه جيدا من خلال الكتابة وليس الحديث، والعكس صحيح. ومن المهم معرفة أن القدرة على العمل والتعبير تتطلب مقدار كبير من التخطيط والممارسة والتنظيم، وقد يختلف المتعلمون في هذه الجوانب أيضا، في الواقع، لا توجد وسيلة واحدة للعمل والتعبير يمكن اعتبارها الوسيلة المثلى لجميع المتعلمين والمتعلمات، لذلك من الضروري توفير عدة خيارات للأداء والتعبير.
- المبدأ الثالث: توفير وسائل متعددة للمشاركة والتفاعل Engagement Multiple Means (سبب التعلم-لماذا نتعلم)
يهدف هذا المبدأ إلى تحفيز دافعية واهتمام المتعلمين والمتعلمات للتعلم وتلبية حاجاتهم المتنوعة، ويرتبط بشبكة الوجدان أو التأثير. فالجانب الوجداني يمثل عنصرا رئيسا في عملية التعلم، ويختلف المتعلمون والمتعلمات بشكل ملحوظ في طرائق مشاركتهم أو دافعيتهم نحو التعلم، ويمكن لعدة أسباب أن تؤثر على الفروق الفردية في الجانب الوجداني مثل الناحية العصبية، الثقافية، الشخصية، الاهتمام الشخصي، والمرجعية العلمية، إلى جانب عدة عوامل أخرى.
تعد المبادئ السابقة إطار عمل ملزم للمدرسين الذين يرغبون في تطبيق التصميم الشامل للتعلم سواء في مجال تصميم الدروس أو بالنسبة لمصممي المناهج التعليمية، خاصة الحديثة المرتبطة بالتكنولوجيا.
فإن أي تعليم وتعلم لا يمكن أن يستغني –خاصة في العصر الحالي-عن الوسائل التكنولوجية الحديثة؛ والتي يصطلح عليها بالوسائط التكنولوجية المتعددة MultiMedia وهي التقنيات المرتبطة بالحاسوب؛ كاستعمال النص والصوت والصورة في أي عملية تواصلية، ويمكن أن يدخل في ذلك أيضا الألعاب والتمارين والاختبارات وإدماج بعض المقاطع الصوتية أو المشاهد المصورة أو غيرهما.
ويستفيد التصميم الشامل للتعلم (UDL) من التقنيات الحديثة والمبتكرة لاستيعاب الفروقات الفردية بين المتعلمين والمتعلمات، لذلك يعتبر وسيلة فعالة لتحديد وتجاوز العقبات في المناهج الدراسية، وبناء الجسور ودعم البدائل التي تلبي حاجات التعلم المتنوعة استجابة للفجوات المحددة.
إذا يجب على المدرسين ضمن إطار التصميم الشامل للتعلم توظيف وسائل وتقنيات حديثة وطرائق تدريس متنوعة، خاصة أثناء تعليم اللغة العربية لغة ثانية، من قبيل: العصف الذهني، وحل المشكلات، والأنشطة التفاعلية والمحفزة… وكذلك اعتماد أساليب وتقنيات متعددة ومتنوعة في التقييم، ووضع توقعات موضوعية، واستخدام التغذية الراجعة، وتشخيص مستوى المتعلمين بدقة، ووضع توقعات تناسب قدرات كل متعلم وليس توقعات عامة لجميع المتعلمين، وذلك بما يتوافق مع الأهداف المنتظرة من التعليم؛ ومعنى هذا أنه كلما كانت منطلقات ومداخل “الفعل التعليمي” مبنية على أساس علمي واضح كانت مخرجاته ونتائجه إيجابية وجيدة (إدراوي، 2019، ص47).
- مكونات المنهاج التعليمي المبني في إطار التصميم الشامل للتعلم (UDL)
2.1 تعريف المنهاج
بداية لابد من تحديد الفرق بين مصطلحات متداخلة وهي:
- المنهج/ المنهاج لغة: كلمتان مترادفتان: بمعنى الطريق الواضح أو السبيل البين، ويقال “نهج الطريق: سلكه وسار فيه. نهج المسألة: أبانها وأوضحها. نهج خطة سليمة: اتبعها. نهج له نهجا: خط ورسم له طريقا يسير عليها” فهي وسيلة محددة توصل إلى غاية معينة. (أبو العزم، 2013، ص3395)
- المنهجية: قسم من أقسام المنطق تعتني بالبحث في منهاج العلوم والطرائق التي ينبغي استخدامها لبلوغ المعرفة.
- المنهاج الدراسي: Curriculum تصف فيفيان دي لاندشير (Viviane De Landsheere) المنهاج الدراسي بأنه “يغني برامج التعليم، حيث يشمل أهداف التعليم-التعلم ومحتوياته، فضلا عن مختلف الاستعدادات المتعلقة بعملية التعليم والتدريب بما فيها الطرائق البيداغوجية وأساليب تقويم المواد الدراسية وإدارة عملية التعليم والتعلم” (علوي وجعفر، 2021، ص47)
وهناك كلمة تستعمل مرادفة لكلمة المنهاج وأحيانا بدلا عنها، وهي كلمة “المقرر” syllabus ويقصد بها كمية المعرفة التي يتطلب من المتعلمين دراستها وتعلمها في الفصول الدراسية. لكن مفهوم المنهاج التعليمي أشمل وأوسع من ذلك؛ إذ يشمل المحتوى التعليمي، والأنشطة التعليمية، والأهداف المتوخاة من تعليم المحتوى، والتقييم للتأكد من تحقيق الأهداف التعليمية. (الفتلاوي، 2006، ص31)
وهناك من قدم رؤية أخرى؛ تتمثل في أن المنهج هو ما تقوم المدرسة بتخطيطه وتقديمه ككل متكامل، ويتلقاه المتعلمون على اختلاف مشاربهم، ويتفق مع أولويات واعتبارات معينة تكون أساس لبناء نظام كلي واسع وشامل (الهادي، 2012، ص27).
لقد سعت الدراسات الحديثة إلى تجاوز السلبيات والمفاهيم الخاطئة لطبيعة المناهج الدراسية القديمة، فعرفت المنهاج كونه وثيقة تصف سلسلة منظمة من أهداف التعلم ومخرجاته في نطاق مادة دراسية موجهة إلى المتعلمين والمتعلمات، وتشمل هذه الوثيقة توصيفا لما يجب تعلمه وكيف يتم تعليمه، وخطة تنفيذ عملية التعليم والتعلم وأساليب تقييمها (الهادي، 2012، ص: 26).
نستنتج من خلال ما سبق أن المنهاج هو مجموع الخبرات التي تهيأ للمتعلم والتي تهدف إلى مساعدته على النمو الشامل والمتكامل؛ كي يكون أكثر قدرة على التكيف مع ذاته ومع الآخرين. وأن المعلومات والمهارات التي يكتسبها لها وظيفة في حياته الفعلية وحياته المستقبلية.
وبالتالي فالمنهاج هو وثيقة بيداغوجية تصدرها جهات رسمية لتعليم معين يفترض فيه أن يشمل عدة عناصر أساس تتمثل فيما يلي:
- الأهداف بمستوياتها المختلفة
- المحتويات التي ينبغي أن تعرض وفق شروط التدرج والاستمرارية والتكامل.
- الطرائق والأدوات التعليمية (استراتيجيات التنشيط والاتصال)
- إجراءات التقويم (التشخيص-الحكم-القرار)
ويؤكد المنهاج الحديث بمفهومه الواسع على النظرة التكاملية لكل من الفرد والمحيط معا، ومن مميزات المنهاج الحديث أنه ينطلق من أسئلة خمسة أساس وهي: (علوي وجعفر، 2021، ص49)
- لماذا نعلم؟ حاجات المجتمع
- من نعلم؟ خصوصيات المتعلمين
- بماذا نعلم؟ محتوى التعليم/ التعلم
- كيف نعلم؟ استراتيجيات التنشيط
- ما نتائج التعليم؟ تقويم العملية التعليمية
2.2 مكونات المنهاج التعليمي
إن من يتابع الإصدارات الخاصة بتعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى يجد أن هناك كثرة في عدد المناهج والبرامج والسلاسل والكتب التعليمية التي ظهرت مؤخرا، منها ما أنتج داخل الدول العربية، ومنها ما أنتج خارجها، وهذه الإصدارات وإن اتفقت في الهدف إلا أن هناك تفاوت كبير في مستواها وبنائها، حيث إن عددا لا يستهان به من الإصدارات أعده غير مختصين في إعداد مناهج تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، وكان إنتاجهم معتمدا على الاجتهادات الشخصية أكثر من المعايير العلمية أو الأطر المرجعية. (الإطار المرجعي لتعليم اللغة العربية 2023).
والمناهج الدراسية التي يتم بناؤها استنادا إلى مبادئ التصميم الشامل للتعلم يتم تصميمها منذ البداية لتلبية حاجات المتعلمين والمتعلمات، مما يجعل التعديلات المكلفة، واستهلاك الوقت والتغييرات في الواقع غير ضرورية، لأن التصميم الشامل للتعلم يشجع على خلق تصميمات مرنة منذ البداية، توفر خيارات قابلة للتعديل وتسمح لجميع المتعلمين والمتعلمات بالارتقاء بمستواهم التعليمي الفعلي وليس الذي نتصوره عنهم. (الدليل الإرشادي، 2011).
يحتوي هذا النوع من المناهج الدراسية على أربعة عناصر مترابطة وهي: الأهداف التعليمية، طرائق التعليم، المواد التعليمية والتقييمات. وفيما يلي توضيح للاختلافات بين التعريفات التقليدية وتعريفات التصميم الشامل للتعلم لكل من هذه العناصر الأربعة:
- الأهداف التعليمية: توصف هذه الأهداف على أنها توقعات التعلم، وتمثل المعرفة، والمفاهيم والمهارات التي يجب أن يتمكن منها جميع المتعلمين والمتعلمات، وتتفق بصفة عامة مع المعايير، ومن خلال إطار التصميم الشامل للتعلم يتم التعامل مع هذه الأهداف بطريقة تستوعب هذه الفروقات الفردية بين المتعلمين والمتعلمات، وتميز بين الأهداف والوسائل التعليمية.
وتساعد هذه السمات معلمي المنهج الدراسي المبني وفق التصميم الشامل للتعلم على تقديم المزيد من الخيارات والبدائل، مثل الطرائق التعليمية المتنوعة، والأدوات، والاستراتيجيات التعليمية ووسائل الدعم، من أجل الوصول إلى درجة الإتقان.
وإذا كان المنهج الدراسي التقليدي يركز على المحتوى التعليمي أو أهداف الأداء، فإن منهج التصميم الشامل للتعلم يركز على تطوير “المتعلمين الخبراء”، كما سبق الإشارة إلى ذلك. (الدليل الإرشادي للتصميم الشامل للتعلم، 2011):
- الطرائق التعليمية: يتم تعريفها على أنها قرارات تعليمية، وأساليب وإجراءات، أو نظام تعليمي يستخدمه المعلمون الخبراء لزيادة سرعة التعلم وتعزيزه, ويطبق المعلمون الخبراء طرائق تعليمية مبنية على البرهان ويميزون بينها وفق الهدف من الشرح، ويسهل المنهج الدراسي المبني وفق التصميم الشامل للتعلم على التمييز الواضح بين الطرائق التعليمية، وفقا للفروق الفردية بين المتعلمين في سياق العمل، المصادر الاجتماعية/الوجدانية للمتعلم، ومناخ الصف الدراسي، ويمكن تعديل طرائق التعليم المبنية وفق التصميم الشامل للتعلم بصورة مرنة ومتنوعة من خلال المراقبة المستمرة لتقدم المتعلمين.
- المواد التعليمية: تعتبر بمثابة الوسيلة المستخدمة لعرض المحتوى التعليمي وما يستخدمه المتعلم لإظهار المعرفة، ومن خلال إطار التصميم الشامل للتعلم، يعتبر التنوع والمرونة أساس المواد التعليمية، ولتوصيل المعرفة النظرية، تقدم المواد التعليمية المبنية على التصميم الشامل للتعلم الوسائط المتعددة والتي تتجسد في الدعم المباشر مثل القواميس الرقمية، المعلومات، والتدريب عبر الشاشة.
وبالنسبة للتعلم الاستراتيجي والتعبير عن المعرفة، تقدم المواد التعليمية المبنية في إطار التصميم الشامل للتعلم الأدوات والدعم اللازمان لإيجاد الأفكار وتحليلها، وترتيبها، والتعبير عن الفهم بعدة طرائق، ولكي تتم المشاركة الفعالة في العملية التعليمية التعلمية، تقدم المواد التعليمية طرائق بديلة تهدف إلى النجاح وتشتمل على اختيار المحتوى التعليمي المناسب، والتنوع في مستوى الدعم والتحدي، والخيارات الخاصة بتوظيف الاهتمام والدافعية وتعزيزها.
- التقييم: يوصف بأنه عملية جمع المعلومات عن أداء المتعلمين والمتعلمات باستخدام طرائق ومواد عديدة من أجل تحديد معرفتهم، ومهاراتهم ودافعيتهم للقدرة على اتخاذ قرارات تعليمية واعية، ومن خلال التصميم الشامل للتعلم، فإن الهدف هو تحسين دقة التقييم والتأكد من أنه مناسب وشامل وواضح، لتوجيه عملية تدريس جميع المتعلمين، ويتحقق ذلك جزئيا من خلال التركيز العالي على الهدف التعليمي، على اعتبار أنه مختلف عن الوسائل التعليمية، مما يتيح توفير الدعم والمساندات لبناء العناصر غير مترابطة، ومن خلال التوسع في الوسائل التعليمية لدعم الفروق الفردية بين المتعلمين، إن التقييم القائم على التصميم الشامل للتعلم يحد من أو يقضي على الحواجز حتى يتم التقييم الدقيق لمدى معرفة المتعلم، ومهاراته وتفاعله.
وفي هذا السياق نجد كل من نيشن وإلستر (Nation & Macalister 2010, P20) نموذجيهما لتصميم منهج اللغة، وقدماه في كتاب بعنوان: “تصميم منهج اللغة”، وهو منهج ينسجم مع التصميم الشامل للتعلم ويتسم بالحداثة والشمولية والتكامل، وفي الشكل الآتي أهم عناصر هذا النموذج:
الشكل 1: عناصر تصميم منهاج اللغة
نلحظ من خلال الشكل أعلاه، أن عملية تصميم المنهاج تأخذ بعين الاعتبار عناصر أساس، تتمثل في التخطيط للأهداف وتطبيق المبادئ، وتحليل البيئة وحاجات ورغبات المتعلمين والمتعلمات، وأخيرا التقييم. وذلك بهدف تطوير المهارات وتحقيق أهداف التعليم والتعلم.
فالنظرة الحديثة للعملية التعليمية التعلمية تلغي ما كان سائدا قديما، فلم تعد عملية نقل المعلومات والمعارف هي المهمة الوحيدة للتعليم، ولكنه نشاط مخطط له يهدف إلى تحقيق نواتج تعليمية مرغوبة لدى المتعلمين والمتعلمات، حيث يقوم المدرس بتخطيط وإدارة ذلك النشاط، وبالتالي أصبح للمدرس والمتعلم أدوار جديدة وفق النظرة الحديثة لعملية التدريس؛ والتي تمكن من زيادة دور وحافز التعلم لدى الفرد، وجعله هو المستهدف والمستفيد (بن عمر 1986، ص52).
وللتوضيح أكثر سنتعرف على المراحل الأساس لتصميم منهاج اللغة، والمرتبطة بالعناصر السابقة، من خلال المراحل والخطوات التي حددها نيشن وإليستر والمتمثلة في الشكل الآتي (أحمد حسن أحمد الفقيه، ص160):
الشكل 2: مراحل تصميم منهج اللغة
نلحظ من خلال الشكل أعلاه أن أول مرحلة لتصميم منهاج اللغة تتمثل في دراسة البيئة، ثم تليها مرحلة تحليل حاجات المتعلمين ورغباتهم المستقبلية، ثم مرحلة اتخاذ القرار المناسب بشأن المبادئ الأساس التي يجب تطبيقها، وتأتي المرحلة الرابعة المتمثلة في تحديد الأهداف المرجوة من العملية التعليمية التعلمية، وأخيرا مرحلة التقييم، والتي تعتبر الحلقة الضائعة في معظم المناهج التعليمية.
- دور التصميم الشامل في بناء منهاج اللغة العربية لغة ثانية
إن تعلم اللغة الثانية هو عملية اكتساب[3] اللغة بعد اكتساب اللغة الأولى وتعلمها، وتستخدم هذه اللغة في التواصل مع الآخرين. ويعتبر تعلم اللغة الثانية أساسا للأفراد الذين يرغبون في التفاعل والتواصل مع أشخاص يستخدمون لغة مختلفة، سواء في العمل أو الدراسة أو السفر أو التجارة الدولية. وتعلم اللغة الثانية يعتبر منهجية متعددة الجوانب تشمل المهارات الأساس المعروفة وهي الاستماع والتحدث والقراءة والكتابة.
وقد عرفت غاس وسيلينكر في كتابهما الذي حظي بإقبال كبير اكتساب اللغة بأنه “دراسة الكيفية التي ينشئ بها المتعلمون نظاما لغويا جديدا”، ويضيفان أن اكتساب اللغة الثانية باعتباره ميدانا بحثيا، معني بما يتم تعلمه وما لا يتم تعلمه من اللغة الثانية (بيل فان باتن، إليساندرو 2017).
إن اللغة العربية لغة ثانية هي وسيلة لتواصل الأشخاص الذين ليست العربية لغتهم الأم، وتهدف هذه اللغة الثانية إلى تمكين المتعلمين من التواصل والتفاعل باللغة العربية في مجموعة متنوعة من السياقات والمواقف الحياتية المختلفة. ويقصد بمصطلح اكتساب اللغة هو تلقي اللغة الهدف من الناطقين بها داخل بيئتها ويطلقون عليه مصطلح: اكتساب اللغة الثانية Second Language Acquisition كتلقي الإنجليزي أو الياباني اللغة العربية في بلد من البلدان.
وبما أن مجال تعلم اللغة الثانية حديثا نسبيا، فقد تأثر بغيره من المجالات؛ ولكن تعلم اللغة الثانية الآن أصبح يؤثر في العلوم التي خرج منها سابقا، ويبني استقلالا خاصا به وهوية خاصة، مما يعني أننا نستطيع أن ننظر لتعلم اللغة الثانية على أنه علم مستقل وله مباحثه الخاصة وأسسه العلمية (سوزان وسلينكر، 2003، ص55).
وامتلاك الإنسان لغة ثانية زيادة عن لغته الأم يشبه إلى حد كبير امتلاك روح ثانية، وفكرا وعلما وثقافة، فتعلم لغة حية أصبح ضرورة من ضرورات الحياة الصحيحة والناجحة، وهناك اهتمام أجنبي كبير بتعلم اللغة العربية، ففي تقرير لمجلة ( (Scienceأشار إلى أن العربية ستحل المركز الثالث سنة 2050 بعد الصينية والهندية، وقبل الإنجليزية والإسبانية. (هادي نهر، 2010، ص28-29)
لكن أكدت العديد من الدراسات أن كثير من برامج تعليم اللغة العربية ومناهجها للناطقين بلغات أخرى، لم تلبّ الحاجات اللغوية للمتعلمين، لأنها اختيرت –في الغالب-بطريقة عشوائية اعتمدت في المقام الأول على الخبرة الشخصية للمصممين أو المؤلفين، وليس على أسس علمية أو معايير دولية.
وفي هذا السياق نجد أن التجارب المذكورة أنتجت توجهين أساسين في مجال تعليم اللغة العربية لغة ثانية (خاصة للناطقين بغيرها)، وهما: التوجه التقليدي البنيوي، والتوجه التواصلي الوظيفي. (العياشي، 2019، ص51)
- التوجه التقليدي البنيوي: والذي يعرف بكون تصوره لتعليم اللغات قائم على أسس ومبادئ المدرسة البنيوية وتطبيقاتها، لذلك فإن تعليم اللغة العربية في هذا الاتجاه يركز على المكتوب بهدف ترسيخ اللغة لدى المتعلمين، اعتمادا على منهج “القواعد” و “الترجمة”، كما يعتمد على الإعادة والتكرار. ومنه فإن البعد الذي يعطى للمتعلم هو بعد تلقيني تطويعي، يركز على ظاهر اللغة وليس جوهرا.
وقد تعرض هذا الاتجاه لعدة انتقادات، من أهمها أنه اتجاه يهمش المهارات التواصلية والاجتماعية، والتي تعتبر من أهم وأبرز خصائص اللغة. فمن المعلوم أن نهج هذا التصور يؤدي لا محالة إلى تعلم مفردات وجمل وتراكيب وقواعد جاهزة يتم ترسيخها وتثبيتها في ذاكرة المتعلم بواسطة التكرار والحفظ بعيدا عن “الواقع اللغوي” الحي للغة العربية. (اليوبي، 2005، ص: 179)
- التوجه التواصلي الوظيفي: والذي يختلف عن التوجه السابق، لأنه يسعى إلى تحقيق ما يصطلح عليه “بالواقع اللغوي”، فلا يركز على استظهار القواعد النحوية والبنيات الجملية والقوالب التركيبية، وإنما يهدف بالأساس إلى اكساب مهارات وتطوير قدرات لدى المتعلمين، مبنية على الفهم والاستيعاب الكلي للاستعمال التداولي والوظيفي للغة المتعلمة، وهي قدرات تنمو وتتطور بالاعتماد على أسلوبي الحوار والتواصل.
من خلال ما سبق نجد أن التوجه الأول يركز على النحو والمعجم بشكل مكثف، في حين أن التوجه الثاني المختلف يركز على الأداء الوظيفي للغة عبر التواصل القائم على اكتساب المهارات اللغوية؛ وهذا الاتجاه هو الذي أصبح ينهج المجددون فيه طرائق التدريس المختلفة، من خلال استثمارهم لمستجدات الدرس اللساني والبحث التربوي.
ولتصميم منهاج اللغة العربية لغة ثانية أهمية كبيرة في سياق التعليم والتعلم؛ وتكمن أهميته في أنه يمكن من توفير إطار مرجعي محدد للهدف النهائي لتعلم اللغة العربية، كما أن تصميم منهاج اللغة العربية في إطار التصميم الشامل للتعلم (UDL) يضمن تشجيع المتعلمين والمتعلمات بثقة ومهارة، ويوفر لهم تجارب تعلم ممتعة ومفيدة. بالإضافة إلى ذلك يعمل منهاج اللغة العربية لغة ثانية على نمو الكفاية اللغوية للأفراد وتعزيز قدراتهم التعليمية والعقلية والوجدانية والاجتماعية من خلال تعلم العربية كوسيلة للتفاعل والتواصل الفعال. فالأهمية الحقيقية لتصميم منهاج اللغة العربية كلغة ثانية تكمن في تحويل المتعلمين والمتعلمات الناطقين بلغات أخرى إلى مستخدمين خبراء وماهرين باللغة العربية وقادرين على اكتساب المهارات اللغوية والتمكن من التحدث والقراءة والكتابة بطلاقة.
وقد قسم اللسانيون التطبيقيون –مثلا- تلك المهارات اللغوية Language Skills إلى أربع مهارات هي: (الاستماع والمحادثة والقراءة والكتابة)، ولأهميتها يرى Widdowsson أن أهداف أي درس لغوي غالبا ما يعرف بالعودة إلى امتلاك المهارات اللغوية، والتي يمكن تصنيفها حسب الاكتساب Acquisition والتعلم Learning إلى (علوي وجعفر، 2021، ص28)
- مهارتين مكتسبتين: هما الاستماع Listening والمحادثةSpeaking ، يكتسبها الفرد في محيطه الاجتماعي ولا يحتاج في تعلمها إلى مدرسة.
- مهارتين متعلمتين: هما القراءة ReadingوالكتابةWriting ، يحتاج الفرد في تعلمهما إلى مدرسة وخطة تعليمية محددة وطويلة الأمد في غالب الأحيان، لذلك تعتبران مهارتين صعبتين من حيث التمكن وإتقان اللغة إنتاجا وفهما.
- مهارتين استقباليتين: هما الاستماع والقراءة، إذ بهما يتم استقبال المعطيات اللغوية وتخزينها في الذاكرة.
- مهارتين إنتاجيتين: وهما المحادثة والكتابة، إذ بهما يتم إنتاج التعبيرات اللغوية المتنوعة، وكذلك المعرفة العلمية بتعددها.
ولا يقتصر المنهج الدراسي المبني على التصميم الشامل للتعلم على مساعدة المتعلمين والمتعلمات على اكتساب معارف معينة أو مجموع مهارات معينة، بل على مساعدتهم على التمكن من عملية التعلم بحد ذاتها، وأن يصبحوا متعلمين خبراء. لأن غاية التعليم في القرن الحادي والعشرين ليس التمكن من معرفة المحتوى العلمي أو استخدام التكنولوجيا الجديدة، بل الهدف هو التمكن من عملية التعلم، من تم يجب على التعليم أن يساعد على تحويل المتعلمين الجدد إلى متعلمين خبراء-أفراد-يرغبون في التعلم ويعرفون كيفية التعلم بشكل استراتيجي، ولديهم طرائقهم الفردية والمرنة للتعلم مدى الحياة (الدليل الإرشادي، 2011).
وبذلك يهتم التصميم الشامل بإيجاد أفضل الطرائق التي تؤدي إلى تحقيق الأهداف، وترجمة مبادئ التعلم والتعليم، إلى طرائق واستراتيجيات تساعد في تحديد مواد المنهاج التعليمي، وتحقق نتائجه على صورة مخرجات تعلم عقلية وحركية ضمن بيئة مرنة وسياق تعليمي محدد.
إن تصميم منهاج اللغة العربية لغة ثانية يهدف إلى تحقيق عدة أهداف؛ من أهمها تمكين المتعلمين من اكتساب وتطوير مهارات استخدام اللغة العربية بطلاقة في الحياة اليومية والتواصل العام. بالإضافة إلى تعزيز فهم المتعلمين للثقافة العربية وتعددية اللغات والتواصل الثقافي، كما يسعى إلى تعزيز المصطلحات والمفردات العربية في مجالات مختلفة مثل السفر والأعمال والتكنولوجيا، كما يعزز التفاعل الثقافي والتعايش بين المتعلمين والمتعلمات من أجل تمتين روابط التواصل الثقافي بينهم. (هادي، 2009، ص28)
إذا من خلال ما سبق نجد أن منهاج تعليم اللغة الثانية وفق إطار التصميم الشامل للتعلم يضمن ما يلي:
- تشجيع المتعلمين والمتعلمات على تعلم اللغة الثانية بكل ثقة ومهارة ومتعة.
- نمو الكفاية اللغوية للأفراد وتعزيز قدراتهم التعليمية والعقلية والوجدانية والاجتماعية.
- تحويل المتعلمين والمتعلمات الناطقين بلغات أخرى إلى مستخدمين خبراء وماهرين باللغة العربية وقادرين على التحدث والقراءة والكتابة بطلاقة.
- توفير الجودة والظروف المرنة التي تضمن وصول ومشاركة جميع المتعلمين في العملية التعليمية.
خاتمة:
ختاما؛ نؤكد أن تصميم منهاج اللغة العربية لغة ثانية في إطار التصميم الشامل للتعلم UDL يعمل على نمو الكفاية اللغوية للأفراد وتعزيز قدراتهم التعليمية، والعقلية، والوجدانية والاجتماعية، من خلال تعلم العربية كوسيلة للتفاعل والتواصل الفعال. فالأهمية الحقيقية لتصميم منهاج اللغة العربية لغة ثانية تكمن في تحويل المتعلمين والمتعلمات الناطقين بلغات أخرى إلى مستخدمين خبراء وماهرين باللغة العربية وقادرين على التمكن من المهارات اللغوية، ومقبلين على تعلم وتعليم اللغة العربية.
اقتراحات:
- استثمار مبادئ التصميم الشامل للتعلم في بناء منهاج تعليم اللغة العربية لغة ثانية.
- اعتبار تحليل البيئة وحاجات المتعلمين منطلق من منطلقات تصميم المنهاج التعليمي.
- استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة في تنفيذ منهاج تعليم اللغة العربية، ومراعاة الفروق الفردية للمتعلمين.
- بناء منهاج تعليم اللغة بالاستناد إلى أسس علمية (دراسات علم الأعصاب) ومعايير دولية.
- إجراء دراسات وأبحاث حول أثر تطبيق التصميم الشامل للتعلم في تعليم وتعلم اللغة العربية لغة ثانية.
المراجع العربية:
- أبو العزم، عبد الغني، معجم الغني الزاهر، حرف النون، الرباط: مؤسسة الغني للنشر، الطبعة الأولى، 2013.
- أحمد حسن أحمد الفقيه، تصميم منهج اللغة العربية لمراحل التعليم العام في ضوء الاتجاهات الحديثة، بيروت: المجلس الدولي للغة العربية، 2017.
- إدراوي، العياشي، المنظور الوظيفي وأهميته في تعليم اللغة العربية لغة ثانية، الرياض: السجل العلمي للمؤتمر الدولي الثالث لمعهد اللغويات العربية بجامعة الملك سعود، 6-7 مارس، 2019م.
- ألساندرو بيناتي وبيلفان باتر، ترجمة: عقيل بن حامد الزماي الشمري ومنصور مبارك ميغري، المصطلحات المفاتيح في اكتساب اللغة الثانية، الرياض: درا جامعة الملك سعود للنشر، 2017م.
- الإطار المرجعي لتعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى: تأليف-تعليم-تدريب-إمتاع، المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج. الموقع: www.alecgs.ae
- بلقاسم، اليوبي، “تعليم اللغة العربية للأجانب: عرض مشروع تعلم العربية عن بعد”، ضمن كتاب: تعليم اللغات؛ نظريات ومفاهيم وتطبيقات، مكناس: منشورات جامعة مولاي إسماعيل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2005.
- بن عمر، محمد صالح، العربية وثورة المناهج الحديثة، تونس: دار الرياح الأربع للنشر، 1986.
- التصميم الشامل للتعلم، الشرح الكامل للدليل الإرشادي، الإصدار 2.0، 1 فبراير 2011. موقع: https://www.qu.edu.qa/file_source/qu/students/documents/special-needs-udl-guidelines-ar.pdf
- حسن شحاتة، مروان السمان، المرجع في تعلم اللغة العربية وتعلمها، القاهرة: مكتبة الدار العربية للكتاب، ط1، 2012.
- علوي، محمد، التواصل الإنساني: دراسة لسانية، الأردن: دار كنوز المعرفة، ط1، 2013.
- محمد محمود الحيلة، تصميم التعليم نظرية وممارسة، عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع، الطبعة 2، 2003.
- اسماعيلي علوي محمد، وجعفر سمير، قضايا وإشكالات في تدريس اللغة العربية وثقافتها للناطقين بغيرها، رؤية لسانية، الرباط: سلسلة الدراسات التخصصية في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، 2021.
- سوزان جاس ولارى سلينكر، ترجمة: محمد الشرقاوي: تعلم اللغة الثانية، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، ط1، 2003.
- ماريال م، هارديمن، ربط أبحاث الدماغ بالتدريس الفعال، نموذج التدريس الموجه للدماغ، ترجمة: صباح عبد الله عبد العظيم، القاهرة: دار النشر للجامعات، ط1. 2013.
- منير، زكري، النماذج المعرفية الحديثة للاكتساب اللغوي، التوجه التكنولوجي في البحث، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس: وحدة البحث في تحليل الخطاب، 2006.
- طاهر محمد، الهادي محمد، أسس المناهج المعاصرة، الأردن: دار المسيرة للنشر والتوزيع، والطباعة، ط1، 2012.
- الفتلاوي، سهيلة، المنهاج التعليمي والتدريس الفاعل، عمان الأردن: دار الشروق، ط1، 2005.
- هادي نهر، اللغة العربية وتحديات العولمة، عالم الكتب الحديث، الطبعة الأولى، 2009.
المراجع الأجنبية:
- CAST, Center for Applied Special Technology), Universal Design for learning guidelines (version 2.0) Wakefield, MA: Author. Retrieved from http:www.udlcenter.org/ aboutudl/ udlguidelines, 2016.
- De Landsheere, Viviane, De Landsheere. Gilbert ; L’éducation et la formation : Science et pratique. Presses Universitaires De France. 1 édition. Paris, 1992.
- Elizabeth M. Dalton, Judith A. McKenzie, Universal design for learning in inclusive education policy in South Africa, University of Rhode Island, December 2020.
- I.S.P.Nation. John Macalister, Language Curriculum Design. 2edition, 2010. From; www.ztcprep.com